ابن رشد

129

تهافت التهافت

بالسماوات ومبادئ الأجرام لأنه وجب عندهم أيضا أن يجعلوا لها أيضا سببا فاعلا ، وأما ما دون الأجرام البسيطة من الأمور المكونة بعضها بعضا المتنفسة فوجب أن يدخلوا من أجل التنفس مبدأ آخر وهو معطي النفس ومعطي والصورة ، والحكمة التي تظهر في الموجودات وهو الذي يسميه جالينوس القوة المصورة ، وبعض هؤلاء جعلوا هذه القوة هي مبدأ مفارق ، فبعض جعله عقله ، وبعض جعله نفسا ، وبعض جعله الجرم السماوي ، وبعض جعله الأول ، وسمى جالينوس هذه القوة الخالق ، وشك هل هي الإله أو غيره ؟ . هذا في الحيوان والنبات المتناسل وأما في غير ذلك من النبات ومن الحيوان الغير المتناسل فإنه ظهر لهم أن الحاجة فيه إلى إدخال هذا المبدأ أكثر فهذا مقدار ما انتهى إليه فحصهم عن الموجودات التي دون السماء . وفحصوا أيضا عن السماوات بعد ما اتفقوا أنها مبادئ الأجرام المحسوسة فاتفقوا على أن الأجرام السماوية هي مبادئ الأجرام المحسوسة المتغيرة التي هاهنا ومبادئ الأنواع أما مفردة وأما مع مبدأ مفارق . ولما فحصوا عن الأجرام السماوية ظهر لهم أنها غير متكونة بالمعنى الذي به هذه الأشياء كائنة فاسدة أعني ما دون الأجرام السماوية وذلك أن المتكون بما هو متكون يظهر من أمره أنه جزء من هذا العالم المحسوس ، وأنه لا يتم تكونه إلا من حيث هو جزء ، وذلك أن المتكوّن منها إنما يتكون من شيء عن شيء وبشيء ، وفي مكان وزمان ، وألفوا الأجرام السماوية شرطا في تكونها من قبل أنها أسباب فاعلة بعيدة ، فلو كانت الأجرام السماوية متكونة مثل هذا التكون لكانت هاهنا أجسام أقدم منها هي شرط في تكونها حتى تكون هي جزءا من عالم آخر ، فيكون هاهنا أجسام سماوية مثل هذه الأجسام وإن كانت أيضا تلك متكونة لزم أن يكون قبلها أجسام سماوية أخر ، ويمر ذلك إلى غير نهاية . فلما تقرر عندهم بهذا النحو من النظر وبأنحاء كثيرة هذا أقربها : إن الأجرام السماوية غير متكونة ولا فاسدة بالمعنى الذي به هذه متكونة وفاسدة ، لأن المتكوّن ليس له حد ولا رسم ، ولا شرح ولا مفهوم غير هذا ، ظهر لهم أن هذه أيضا ؛ أعني الأجسام السماوية لها مبادئ تتحرك بها وعنها . ولما فحصوا عن مبادئ هذه ظهر لهم أنه يجب أن تكون مبادئها المحركة لها موجودات